أحمد بن محمد ابن عربشاه

381

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ميدان الفضائل كر وفر ، وفي مظان النفع والضر خير وشر ، قد جرب في المصايد ودرب في المكايد ، وهذب في المصادر والموارد ، ورتب في المطارف والمطارد ، أدنى فضائله حسن السفارة ، وإحدى فواضله ترتيب العبارة ، حلّال المشكلات كشّاف المعضلات ، فوقع عليه اختيارهم ورضى به كبارهم وصغارهم ، فحمّله الأسد كلامه وجعل البسملة مبدأه والحسبلة « 1 » ختامه . ومن مضمونها بعد إبلاغ التحية والأثنية « 2 » السنية إلى الحضرة العلية ، ملك الأفيال أبى مزاحم المفضال ، ألهمه الله هداه ، وصرف عنه رداه ، وبصّره مواقع الخير وهداه ، ولا شمت به عداه ، وحفظه بالعشى والغداة ، وجعل عقباه خيرا من مبتدئه ، نحيط علومه الكريمة وآراءه العلية الجسيمة ، أن قوتنا من قديم الزمان ظاهرة ، وهيبتنا باهرة ، وصولتنا قاهرة ، لم نزل نفترس الفوارس ، ونكرم أصناف الأضياف من الوحش والطير بالفرائس ، ويضرب بنا في الشجاعة والكرم الأمثال ، ويفر من بين أيدينا أسود الأبطال ، ولا عار على من فر من بين يدي الريبال ، وقد اتصل بنا أن ملك الأفيال توجه إلينا بجنوده ، وهيأ في ذلك أجناس عساكره وبنوده ، وما علمنا لذلك موجبا ، ولا تقدمنا بعداوة تنشئ حربا وحربا ، بل ولا تعرضنا لأحد في ملكه وملكه ، وعدلنا بحمده الله تعالى جار في بحار الملك وفلكه ، والرعايا شاكرة منا ، ولم ينشر سوى الذكر الجميل عنا ، فأنعموا برد الجواب وميزوا الخطأ من الصواب ، قبل أن يكشر « 3 » الشر نابه ، ويفتح جرابه ويحرش للهرير كلابه ، ويسلخ ليله إهابه ، ويكسر رائد الفتنة بابه ؛ فتتفاقم الأمور وتتعاظم الشرور ، وتتلاطم بحارها وتمور عند التهاب شواظ الغيظ من الأسود والنمور ، مع أن اعتمادنا على الله العظيم ، وتوكلنا على العزيز الرحيم .

--> ( 1 ) البسملة ، والحسبلة : نحت خطى ، معناه بسم الله الرحمن الرحيم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ( 2 ) الأثنية ، مفردها الثناء : المدح والشكر . ( 3 ) كشر عن نابه : استعد للقتال .